القرطبي

376

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

دعاء ، أي يا رب استجب لي . وقيل : دعا هارون مع موسى أيضا . وقال أهل المعاني : ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين ، قال الشاعر : فقلت لصاحبي لا تعجلانا * بنزع أصوله فاجتز شيحا وهذا على أن آمين ليس بدعاء ، وأن هارون لم يدع . قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يقول : الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام " ربنا " ولم يقل رب . وقرأ علي والسلمي " دعواتكما " بالجمع . وقرأ ابن السميقع " أجبت دعوتكما " خبرا عن الله تعالى ، ونصب دعوة بعده . وتقدم القول في " آمين " في آخر الفاتحة ( 1 ) مستوفى . وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام . روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ) ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وقد تقدم في الفاتحة . ( 1 ) قوله تعالى : ( فاستقيما ) قال الفراء وغيره : أمر بالاستقامة . على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الايمان ، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة . قال محمد بن علي وابن جريج : مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا . وقيل : " استقيما " أي على الدعاء ، والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب . ( ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) بتشديد النون في موضع جزم على النهي ، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين . وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي . وقيل : هو حال من استقيما ، أي استقيما غير متبعين ، والمعنى : لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي .

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 127 .